إعادة قراءة مفهوم قرآني للحياة والمسؤولية الاجتماعية اليوم

«النهوض لله»؛ صلة المفاهيم القرآنية بالحياة الفردية والعمل الاجتماعي

يتناول كتاب «النهوض لله» للكاتب مجتبى عرب مازار يزدي مفهوم «النهوض من أجل الله» وصلته بالحياة الفردية، والسعي إلى تحقيق العدالة، والعمل الإعلامي والمسؤولية الاجتماعية؛ وهو كتاب تبلورت فكرته الأولى من خلال سلسلة من اللقاءات والنقاشات التي عقدها المؤلف مع طلاب جامعة أمير كبير للتكنولوجيا.

«النهوض لله»؛ صلة المفاهيم القرآنية بالحياة الفردية والعمل الاجتماعي

يتناول كتاب «النهوض لله» للكاتب مجتبى عرب مازار يزدي مفهوم «النهوض من أجل الله» وصلته بالحياة الفردية، والسعي إلى تحقيق العدالة، والعمل الإعلامي والمسؤولية الاجتماعية؛ وهو كتاب تبلورت فكرته الأولى من خلال سلسلة من اللقاءات والنقاشات التي عقدها المؤلف مع طلاب جامعة أمير كبير للتكنولوجيا.

ويصدر الكتاب عن دار النشر والطباعة الدولية، ويستهل بحثه بالآية 46 من سورة سبأ:
«قُلْ إِنَّما أَعِظُکُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنی‌ وَ فُرادی‌»

ولا يعني «النهوض من أجل الله» في هذه الآية مجرد حركة سياسية أو فعل احتجاجي. وفي رؤية الكتاب، يشير المفهوم إلى التحرك الواعي لتحمل المسؤولية والعمل بنية ودافع إلهيين. وانطلاقاً من هذه الآية، يبحث المؤلف في معنى النهوض، والنية الإلهية، وصلتهما بالمسؤولية الفردية والاجتماعية.

ويتمثل المحور الرئيس للكتاب في تقديم رؤية أوسع لهذا المفهوم؛ إذ يرى المؤلف أنه لا يقتصر على الحركات السياسية أو الاحتجاجات الاجتماعية، بل يمكن أن يتجلى في مختلف مجالات الحياة، بدءاً من الأسرة والتعليم والتربية والأنشطة الثقافية والتنظيمية، وصولاً إلى الإعلام والسعي إلى تحقيق العدالة ومشاركة الناس في التحولات الاجتماعية.

ويرى المؤلف أن «النهوض لله» من المفاهيم المحورية في ما يعرف في الخطاب الفكري للجمهورية الإسلامية في إيران بـ«مدرسة الإمام»، وهو تعبير يشير إلى منظومة الأفكار والمبادئ المرتبطة بالإمام الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران. ويؤكد أن هذا المفهوم لا ينبغي أن يبقى في إطار البحث النظري، بل يجب أن يمتد إلى الحياة الفردية والاجتماعية.

كما يقدم الكتاب محاولة لمساعدة طلاب الجامعات وطلاب العلوم الدينية في الحوزات العلمية والفاعلين الاجتماعيين على فهم علاقتهم بالمفاهيم القرآنية والقضايا الواقعية التي يواجهها المجتمع بصورة أفضل.

من اللقاءات الطلابية إلى صدور الكتاب
تبلورت الفكرة الأولى للكتاب قبل نحو أربعة أعوام، خلال سلسلة من اللقاءات مع طلاب ناشطين في منظمة التعبئة التطوعية في جامعة أمير كبير للتكنولوجيا. وبحسب المؤلف، أسهم تفاعل الطلاب مع النقاشات وما أفرزته من أسئلة وأفكار متعددة في طرح فكرة جمع هذه المواد وتقديمها في صورة كتاب.

النهوض؛ أبعد من مجرد حركة سياسية
يتمثل أحد المحاور الرئيسة للكتاب في بحث معنى النهوض في مختلف مجالات الحياة. ووفق هذا التصور، لا يقتصر النهوض من أجل الله على الحركات السياسية أو الاحتجاجات الاجتماعية، بل يمكن أن يتجلى أيضاً في الأنشطة الثقافية والتربوية والإعلامية والاجتماعية.

وفي هذا الإطار، يتناول المؤلف أدوار مختلف الأفراد في الأسرة والمجتمع، من الأم والمعلم إلى المدير والناشط الاجتماعي والسياسي. وما يكتسب أهمية هنا هو العلاقة بين نية الفرد وشعوره بالمسؤولية وطريقة ممارسته لدوره، وبين الإطار الفكري الديني.

وبعد مناقشة النية ومعنى النهوض، ينتقل الكتاب إلى تجارب تاريخية، من بينها الثورة الدستورية الإيرانية والحركة الوطنية لتأميم صناعة النفط. وكانت الثورة الدستورية الإيرانية حركة امتدت بين عامي 1905 و1911، وأفضت إلى إقامة نظام دستوري وتشكيل برلمان. أما حركة تأميم صناعة النفط فكانت حركة سياسية في خمسينيات القرن العشرين هدفت إلى تأميم صناعة النفط الإيرانية وإنهاء السيطرة البريطانية عليها.

ويتناول الكتاب لاحقاً موضوعات من قبيل السعي والمثابرة في سبيل الله، والسعي إلى تحقيق العدالة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعقلانية، والروحانية، ومجتمع المؤمنين، ودور الناس في التحولات الاجتماعية. ولا يقتصر السعي والمثابرة في سبيل الله في هذا السياق على القتال العسكري، بل يحمل معنى أوسع يتمثل في بذل الجهد والعمل الدؤوب في سبيل الله.

أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيشير إلى الدعوة إلى ما يعد خيراً وصواباً في إطار الأخلاق والشريعة الإسلامية، والنهي عما يعد خطأً ومنكراً.

الإعلام؛ جزء من الفعل نفسه
يتناول أحد مباحث الكتاب العلاقة بين العمل الإعلامي والفعل الاجتماعي، وهو الموضوع الذي يناقشه المؤلف في الفصل الثاني، المعنون «رواية النهوض وعلاقتها بالنهوض نفسه».

وجاء في الكتاب: «الإعلام ليس فرعاً عن النهوض، بل هو جزء من النهوض نفسه».

ويقصد المؤلف من هذه العبارة أن الإعلام ليس مجرد أداة لنقل حركة ما بعد وقوعها؛ فالسرد والتفسير ونقل معنى الفعل الاجتماعي هي في حد ذاتها جزء من ذلك الفعل. ومن هذا المنظور، لا يؤدي العمل الإعلامي دوراً هامشياً أو ثانوياً، بل يمكن لطريقة تقديم حركة ما وروايتها أن تسهم في تشكيلها وتوجيهها واستمرارها.

وعلى هذا الأساس، يناقش الفصل موضوعات من بينها الصراع على الرواية، وأهمية السرد في النزاعات المسلحة، ورواية الجهود التكنولوجية بوصفها شكلاً من أشكال العمل الدؤوب في سبيل الله، والعلاقة بين العمل من أجل الله والنشاط الإعلامي.

ويشير مفهوم الصراع على الرواية في هذا السياق إلى الجهد الواعي في سرد حدث أو حركة أو فعل اجتماعي وتفسيره وتقديم معناه؛ وهو مفهوم حاضر في الخطاب الإعلامي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا سيما في النقاشات المتعلقة بـ«حرب الروايات».

كما يتناول المؤلف كيفية عرض الجهود والإنجازات العلمية والتكنولوجية وروايتها بوصفها شكلاً من أشكال العمل الدؤوب في سبيل الله، في إطار الأهداف التي يعرّفها ضمن المجتمع الديني.

أما العمل الإعلامي من أجل الله، فيعني، وفق رؤية المؤلف، أن تكون دوافع النشاط الإعلامي واتجاهه قائمين على النية الإلهية، لا على المصالح الشخصية أو الشهرة أو الأهداف الفردية فحسب.
ويتناول المؤلف كذلك مسألة إخلاص النية في العمل الإعلامي. ويعني ذلك أداء العمل بنية خالصة لله، وتجنب جعل دوافع مثل استعراض الذات أو الشهرة أو المصالح الشخصية الهدف الأساسي من العمل. ويطرح المؤلف سؤالاً حول كيفية الحفاظ على هذه النية مع الاستمرار في الحضور الفاعل في المجال الإعلامي وشبكات التواصل الاجتماعي.

وينتقل الكتاب بعد ذلك إلى مفهوم الحذر المفرط، وهي حالة يرى المؤلف أنها قد تؤدي أحياناً، لدى المجموعات الاجتماعية والدينية الفاعلة، إلى التخلي عن المبادرة والعمل. ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن تتحول المخاوف من الأضرار المحتملة، بمفردها، إلى ذريعة للتخلي عن المسؤولية الاجتماعية.

السعي إلى العدالة في إطار الأخلاق والعقلانية
إلى جانب الدعوة إلى المشاركة والفعل الاجتماعي، يهتم «النهوض لله» بحدود الفعل وأساليبه. ويتمثل أحد محاور هذا البحث في العلاقة بين السعي إلى تحقيق العدالة والأخلاق والعقلانية والروحانية.

ويطرح المؤلف مسألة ترتيب الأولويات في حالات تعارض المصالح الاجتماعية، مؤكداً ضرورة مراعاة الحدود الأخلاقية والدينية في السعي إلى تحقيق العدالة. ووفق هذه الرؤية، لا يرتبط تحقيق العدالة بالهدف من الفعل الاجتماعي وحده، بل تحظى النية وطريقة العمل أيضاً بأهمية أساسية.

ويربط الكتاب، في سياق متصل، بين النهوض والعدل والإنصاف الاجتماعي، من خلال الجمع بين الآية 46 من سورة سبأ والآية 25 من سورة الحديد، ويتناول مسؤولية الناس في تحقيق العدالة.

كما يميز المؤلف بين المسؤولية العامة للمجتمع ودور الفاعلين الذين يتقدمون الصفوف، ويتناول مفهوم الاستمرار في تحمل هذه المسؤولية من خلال الثبات والاضطلاع بدور متواصل في حفظ العدالة وإقامتها. وبعبارة أخرى، فإن المسؤولية الاجتماعية ليست مجرد استجابة عابرة، بل تتطلب حضوراً مستمراً ومتابعة دائمة في سبيل تحقيق العدالة.

من جهاد البناء إلى بناء المؤسسات الشعبية
ومن الأمثلة الأخرى التي يتناولها الكتاب تجربة جهاد البناء، وهي مؤسسة تأسست بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وعملت بمشاركة المتطوعين وأبناء المجتمع في مجالات الإعمار والتنمية الريفية ومواجهة الحرمان.

ويرى المؤلف في هذه التجربة نموذجاً لبناء المؤسسات الثورية ومشاركة الناس في الحوكمة. ويتمثل السؤال الرئيس في هذا القسم في كيفية تحويل دوافع الناس ومشاركتهم إلى حركات اجتماعية مستدامة ومؤسسات راسخة.

ويطرح المؤلف، في هذا السياق، سؤالاً حول كيفية تحويل الطاقات الاجتماعية للناس من ردود الفعل المؤقتة إلى مسار من الإصلاح والتنمية المستمرة.

ومن هذا المنظور، لا تقتصر مفاهيم مثل النهوض، والسعي والمثابرة في سبيل الله، والعدل على مرحلة تاريخية بعينها، بل تُطرح بوصفها مفاهيم تساعد على فهم قضايا الحاضر ودراسة المسؤولية الاجتماعية للأفراد والجماعات.
 

2026-10-03

عدد الزيارات: 155
ایران
آیکون توانخواهان

T

T